» الموقع ملك للجميع ونافذة لكل مناحي الحياة اليومية، راسلوا جريدتكم اسفي نيوز safinews ذات البعد الجهوي باقتراحاتكم على البريد الالكتروني [email protected] [email protected] [email protected]مدير الموقع ورئيس التحرير عبد الرحيم النبوي ----الهاتف - 43 - 81 - 12 - 74-06- ,             


سلسلسة من الشهادات يكتبها لموقع :

الأستاذ الدكتور سيدي محمد بنشريفة :
بمناسبة الذكرى الأولى لوفاة أستاذنا الجليل سيدي محمد بنشريفة رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، يسعدني أن أسترجع شريط ذكرياتي مع فقيدنا الذي توفي في مثل تاريخ هذا اليوم أي 22 نونبر 2018 بمدينة الرباط في الوقت الذي كنا على مشارف إنهاء جميع الترتيبات لتكريمه بأسفي .
لقد سمعت عنه الكثير وأنا حديث العهد بالجامعة قبل أن أكون ضمن طلبته في السنة الثانية عام 1977 ، حيث كان ـ رحمه الله ـ يدرسنا مادة الأدب الأندلسي ، فيحلق بنا في عالم الأندلس وطبيعتها ورجالاتها وأحداثها .. فاكتشفنا معه تراثا عربيا إسلاميا عظيما .. ذلك أن طريقة سيدي محمد بنشريفة في التدريس كانت من السهل الممتنع .. بمعنى أنه لا يمكن مجاراة محاضراته إن لم يكن الطالب قد استعان ببعض المصادر والمراجع ليستوعب الكم الهائل من المعلومات التي كان أستاذنا يزودنا بها ، فقد كان خبيرا عالما بكل شاذة وفادة تخص الأندلس ، كيف وهو المتخصص المتبحر في كل ما له علاقة بها .
وسيزداد شغفنا بالدرس الأندلسي حين سنلتقي مع السي بنشريفة في السلك الثالث عام 1980
كنت كلما التقيت به ، يسألني عن أسفي وأهلها ، فكنت أشعر بحب الرجل لبلدته حبا جما .

والله وأنا اليوم أكتب عن المرحوم الدكتور محمد بنشريفة ، الأستاذ الكبير  والباحث النحرير، والأديب الأريب ، والإنسان اللبيب ، والشخصية الوجيهة ، والعالم المتفنن الحقيق بالتقدير.. أشعر أنني أنهض بعبء كبير، وأنا أعلم ثقل المئونة فيه . فهو رجل من رجال الفكر والأدب والقلم والقرطاس .. رجل هادئ الطبع ، صاحب مبادئ وقيم ، متواضع لدرجة كبيرة ، قوي في نقاشه ، متزن ، متمكن من ثقافة عالية المستوى ، صادق مع الجميع ، ملتزم ، بليغ متمكن من حديثه ، وطني كبير في وطنيته .. يتمتع بنفس أبية ، ندر حياته للعلم والمعرفة والبحث العلمي  المتواصل .. فكانت كتاباته تنم عن وعي رصين  وعقل متفتح ، وعلم غزير .
   ولعل أستاذنا الجليل الدكتور عباس الجراري أصاب في القول حين وصف سيدي محمد بنشريفة قائلا : " لو شئت أن أختصر ما يوصف به الأخ الكريم ، والصديق الحميم ، وأنى لي أن أختزل واسعا ، وأجمع شاسعا ، لقلت إن معشره لطيف وطبعه أليف ، وإن جده طريف وهزله ظريف .. تزينه دماثة سمحة رصينة ، ورجاحة حليمة رزينة ، في هدوء وأناة وسكينة  مع دؤوب وثبات وغور بعيد ، وحرص وروية ونظر سديد . يطيل الإصغاء حين ينصت ، ولا يحدث إلا بالهمس ويخفت ، وقد يستغني بالتلويح عن التصريح ، وربما استدل بالعبارة الإشارة ، وعمد إلى الرمز والإيماء أو التلميح والإيحاء . "
هذا هو سيدي محمد بنشريفة ، واحد من رجالات أسفي الذين تركوا صدى عميقا في تاريخ الثقافة المغربية والعربية .
وكما لا يخفى على الجميع ، فقد ولد أستاذنا بأسفي سنة 1930 ، التحق بالكتاب كغيره من أبناء جيله . بدت مخايل النجابة عليه مبكرا وهو يجتاز التعلم في بداية مراحله .. فأخذ نفسه بالتلقين والتهذيب ، يحدوه طموح جارف .. فكان دائم الاتصال بشباب النهضة في أسفي ومراكش ، حيث كان له ولوع بالمطالعة وقراءة الصحف والمجلات الشرقية ، لا سيما المصرية منها .
تابع دراسته في كلية ابن يوسف بمراكش ، ثم التحق بعد ذلك بجامعة محمد الخامس في أول نشأتها بالرباط ، ثم بجامعة الجيزة بالقاهرة ، حيث سيحصل على دكتوراه الدولة في الآداب عام 1969 من جامعة القاهرة بمصر .
    وبعد عودته إلى المغرب ، أصبح من أوائل الذين اضطلعوا بالبحث العلمي إلى جانب التدريس الجامعي ، وذلك منذ البوادر الأولى للنهضة التي عرفها المغرب في عهد الاستقلال .. فكان من المؤسسين لشعبة الآداب بالجامعة المغربية ، إلى جانب أستاذنا الجليل الدكتور عباس الجراري حفظه الله .
تنوعت اهتماماته ، فشملت جولات عميقة في تراث وأدب الأندلس ، فكان باحثا دقيقا ومحققا للنصوص الغميسة العريقة ، والمباحث الشائكة الدقيقة ، ينكب عليها ويفك غوامض قضاياها ومشكلاتها ، فحظي عنده تراث الأندلس بفائق العناية وراتق الرعاية ، ملك منه العنان ، ونافس به المعتنين من الأحزان .
وتأسيسا على ما سبق ، نجد سيدي محمد بنشريفة يقتحم مجال البحث العلمي في تميز دقيق بين ما هو أصيل ودخيل .. فتناول الكثير من الموضوعات البكر ، والتي لم يلتفت إليها أحد  فنبش ونقب ودأب على البحث ، فأتقن وأجاد وأفاد .
   عني أستاذنا بما هو مدرسي من تراث الآباء والأجداد ، وما هو صادر عن " العوام " وما تناقلوا من " أمثال " تداولوها على مر الأعوام ، فحقق " الزمان والمكان " لابن الزبير الثقفي وأجزاء من " الذيل والتكملة " لابن عبد الملك المراكشي ، وأخرى من " ترتيب المدارك " للقاضي عياض اليحصبي ، وأخرج " نوازله " و " تعريف " ولده به ، و"روضة الأديب " للشريشي في " التفضيل بين أبي الطيب وحبيب " و" طرافة الظريف"
للملزوزي في " أهل الجزيرة وطريف " . كما عرف بأسرتي " بني عشرة " و " بني زهر".. وترجم لأحمد بابا التمبكتي ، وللإبراهيمي " الكانمي " و " الساحلي " ، و " عبدالله بن قاسم الثغري ، و" أبي زيد عبد الرحمان سقين السفياني القصري "و" أبي عبد الله الغرناطي المنتوري " .. وأفرد بدراسة موسعة ، أبا بكر " ابن مغاور الشاطبي " و"أبا المطرف أحمد بن عميرة المخزومي ، وأظهر" تنبيهاته "، وسجل سيرة " ابن عبد ربه الحفيد " و " البسطي " محللا شعره ومحتوياته ، ونشر " مظهر النور " لابن فركون ، وكذا " ديوانه " و " ملعبة كفيف زرهون " ..إلى غير ذلك من الأبحاث والمؤلفات الرصينة التي تدل على أن الرجل اضطلع ونهض محتفيا بموضوعاته ، ينتقيها ويتخيرها ، ويغنيها بما له من كفاية ونفاذ ومضاء فإصداراته كثيرة ومتعددة ، تعلقت بها همته ، فغذا أنموذجا للباحث العالم الرصين المنسجم مع فكره ووتيرته .
كل هذا وغيره ، أهله ليحظى بتشريف المغفور له الحسن الثاني بعضوية الأكاديمية الملكية وعضو منتخب في المجامع السورية والمصرية والأردنية .. كما أن أستاذنا قد توج بإحرازه جائزة الملك فيصل السعودية ، وجائزة الاستحقاق المغربية ، دون أن ننسى أنه عين قيدوما بكلية الآداب بوجدة ومحافظا لمكتبة القرويين ، وللخزانة العامة بالرباط .
     لهذا ، ينبغي أن نهنئ أنفسنا نحن ابناء مدينة أسفي بأديب كبير ، وباحث مستنير ، مثل الأستاذ الدكتور سيدي محمد بنشريفة تغمده الله برحمته الواسعة والمناسبة شرط كما يقال ، وتتمثل في دعوة جامعة القاضي عياض للاحتفاء بهذا الرجل وتكريمه . ففي ذلك تكريم للفكر الإنساني الخلاق في جميع اتجاهاته.. وهو تكريم يعطي الفكر قيمة حضارية ، كما أن تكريم العلماء والأدباء والمبدعين والمخلصين في عملهم ، واجب وطني يدلل على وعي كبير .
    إننا بحق أمام عالم كبير ، لا توفيه مثل هذه المقالة حقه في إلقاء الضوء على شخصيته العالمة :
                كرموهم لا للثراء ولا المجد         ولكن للفكر والإحســــــــاس
وإذ ننسى ، لا ننسى يوم تم تكريم أستاذنا من طرف المجلس البلدي بأسفي عام 1988 في الحفل الاختتامي لأشغال الملتقى الفكري الأول بأسفي ، حيث ألقيت عدة كلمات أشاد فيها أصحابها بقيمة الرجل العلمية وأخلاقه الحميدة ونشاطه العلمي المتميز ، والجهود الحثيثة التي يبذلها من أجل خدمة تراثنا العربي في المغرب والأندلس .
     لا أريد أن أختم هذه الإشارات المجملة عن أستاذنا الجليل ، وهي مجرد محطات في حياته الغنية الحافلة ، من غير أن أذكر ما يجمعني بأستاذي .. فقد عرفته منذ أن التحقت بكلية الآداب بالرباط عام 1975 ، حين علمت بأن أحد أبناء أسفي يدرس مادة الأدب الأندلسي ، فلزمت محاضراته بكل شوق وشغف ، فأحببت تلك المحاضرات ، حيث ألفيتها غنية ، فالتأم لدي الأمر واستقام ، واتسق في اكتمال وانتظام . وهكذا ، تاقت نفسي للتعرف إليه تشوفا وتشوقا ، وبدأت أقرأ بعض مؤلفاته ، فزادني إلى استقصائها تعلقا وتعشقا ، إذ وجدت فيها ما كنت به مشغوفا ومنهوما أو ملهوفا ومهموما .. حرصت بعد ذلك على ملازمته .. فكان خير مرشد ومعين لي ، فقد حبب إلي الدرس الأدبي الأندلسي والمغربي ، ولا عيب إن كنت نهلت من معين أدبه وعلمه .. فهوـ رحمه الله ـ  من الذين قووا عزيمتي وشحذوا نيتي ، وأعلوا همتي ، فأنا على إثرهم سائر ، وعلى نهجهم سالك . وقديما قيل :
" إن المرء تكرم شمائله وخصاله ، إذا كرم حمله وفصاله . "
  وإذ أنسى ، لا أنسى يوم عقد العزم على تكريم أستاذنا الدكتور سيدي محمد بنشريفة بتاريخ : 05 غشت 2017 ، نظير ما أسداه لوطنه من خدمات جلى ، واعترافا بما قدمه للفكر من إنتاج ، بعد ذلك وبتاريخ : 13 أبريل 2018 ، توجه بعض أعضاء جمعية ذاكرة أسفي إلى بيته بالرباط  حيث سعد ـ رحمه الله  ـ باللقاء ، وبدأ يستحضر مع أعضاء الوفد الآسفي لقطات من ذكرياته الجميلة ببلدته أسفي . لقد كان استقباله لنا كبيرا بابتسامته المعهودة بكل ترحاب ، يستفسر عن مدينة أسفي ويسأل عن أهلها وأحوالها ، كما كان ـ رحمه الله ـ من حين لآخر ، يتحدث عن أسفي المدينة الساحرة التي لا تبوح بأسرارها إلا لمن يشعر أنه منها ، وروحه معلقة بها ، مدينة حفظت التاريخ والتراث وقاومت الاستعمار، تبوح بعبقها لسكانها وزوارها . فكان حديثه عن مدينته وعن أهلها ، حديثا روحيا ممتعا ،معبرا عن حبه لمدينته وتعلقه بها وبأهلها وبتاريخها وأهميتها العلمية والثقافية . هكذا عهدناه رحمه الله دائم الحديث عن أسفي كصرح ثقافي يليق بحاضرة المحيط وأهلها .
. ودعناه بمثل ما استقبلنا به من ترحاب هو ورفيقة عمره السيدة الفاضلة عصمت الأستاذة الجامعية المبرزة والمشهود لها بالصدق والوفاء والإخلاص والتفاني في أداء رسالتها على نحو نادر ، سواء في تدريسها بالجامعة أو إشرافها على بيتها العامر . أقول ودعنا أستاذنا ولم نكن نعلم أنه الوداع الأخير .. غادرنا بيته .. فقد كان الوقت يلاحقنا ، لأننا كنا على موعد مع أستاذنا الجليل الدكتور عباس الجراري في ناديه الأدبي الزاهر.
. كان أستاذنا سيدي محمد بنشريفة ـ رحمه الله ـ يبدي فرحه وحبوره مستعجلا تاريخ هذا التكريم ، وهو المكرم في الكثير من المحافل الوطنية والدولية ، وعدد التكريمات لا يعد ولا يحصى . لكن تكريمه من طرف أبناء مدينته كان أقرب إلى قلبه وروحه الطاهرة .. لدرجة أنه كان ـ رحمه الله ـ بمجرد استيقاظه من النوم ، يقول لزوجته أو أحد أبنائه بأن يأتوه بورق وقلم لتدوين  ما يختزنه في ذاكرته الواسعة ويصهره بذهنه اللماع ، ليستحضره يوم تكريمه .
   والحق أن تكريمه  في مدينته هاته ، جاء داحضا لما كان شائعا من أن المرء لا يكرم في بيته وبين أهله . وقديما قال من ينكر ذلك :
        أكرم أخاك بأرض مولده          وأمده من فعلك الحســـن
       فالـــعز مطلوب ومتلمس          وأعزه ما كان في الوطن
 إن غياب المرحوم سيدي محمد بنشريفة عنا ، يعتبر رزءا جسيما ، فقد ترك فراغا ليس من السهل ملؤه أو تعويضه  .
تغمده الله برحمته الواسعة وأجزل له المغفرة والرضوان ورزقنا وأهله وذويه ومحبيه جميل الصبر والسلوان .. كما نتضرع له سبحانه أن يرحم ويغفر لمن توفي بعد أستاذنا ، وأقصد هنا أستاذنا الدكتور عزة حسن والدكتور العلامة عبد القادر زمامة .. الأول صاحب الفضل الكبير على تأهيل أجيال عديدة من الباحثين المغاربة ، أنموذج من أساتذتنا في الجامعة المغربية الذين صاحبوا ميلادها وتطورها وأفادوا بسخاء وأريحية ،كما كان من العلماء الذين أحبوا المغرب وأهله .. في الوقت الذي لا ينبغي أن ننسى ما كان يتمتع به ـ رحمه الله ـ من أخلاق فاضلة حين اعترف لنا ـ ونحن طلبة آنذاكـ ــ بأستاذية الدكتور أمجد الطرابلسي له وبتقديره للدكتور تمام حسان ، وهؤلاء من كبار الأساتذة العلماء الذين من الله علينا بتدريسهم لنا وتعهدهم برعاية تكويننا العلمي .الثاني ، أفنى حياته في التدريس وتحقيق المخطوطات ونشر الدراسات القيمة ، كانت له جهود جبارة فيما يتعلق بتدريس النصوص القديمة ، تدريسا مشبعا بروح مغربية وطنية ، وبالتراث المغربي ، لأنه كان من الذين اطلعوا عليه وكان مشبعا بروح هذا التراث وسعى إلى تبليغه والتوعية به حسب شهادة أستاذنا الجليل الدكتور عباس الجراري أطال الله في عمره .
تلك باختصار نماذج من الدروس والعبر التي أمكن استخلاصها من هذه المدرسة التي يدين لها عموم الباحثين في التعامل مع التراث الأدبي، بحثا وتحقيقا ودراسة، بالفضل والامتنان، رحم الله أساتذنا ، وجعل ما قدموا وأسدوا من العلم وما رسخوا  من الأخلاق العلمية في ميزان حسناتهم؛ وجازاهم عنا وعن الوفاء للتراث، وبث العلم الرصين، والتحقيق العلمي المتين الجزاء الأوفى، وحفظهم وحفظ جميع شيوخنا ومربينا، سواء من ذكرنا أو من لم نذكر ..         والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .



مريد 2019-11-22 2

شهادة جميلة في حق واحد من أعظم رجالات هذا البلد


إضافة تعليق :
الإسم الكامل

صور من أسفي

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
.

اذاعة محمد السادس