» الموقع ملك للجميع ونافذة لكل مناحي الحياة اليومية، راسلوا جريدتكم اسفي نيوز safinews ذات البعد الجهوي باقتراحاتكم على البريد الالكتروني [email protected] [email protected] [email protected]مدير الموقع ورئيس التحرير عبد الرحيم النبوي ----الهاتف - 43 - 81 - 12 - 74-06- ,             


  الأستاذ الدكتور سيدي محمد بنشريفة الأديب والباحث والمحقق الكبير في ذمة الله

توفي الأستاذ الدكتور محمد بنشريفة، مساء يوم الخميس 14 ربيع الأول 1440/موافق 22 نونبر 2018 عن سن تناهز التسعين عاما، بعد مسيرة حافلة بالعلم والعطاء.

وكتب عن وفاته د. منير البصكرينائب عميد الكليةالمتعددة التخصصات بآسفي  ، واصفا إياه بأن “الفقيد يعد احد رجال الفكر والأدب والقلم والقرطاس،  قوي في نقاشه ، متزن ، متمكن من ثقافة عالية المستوى، وعضو أكاديمية المملكة المغربية وعدة مجامع دولية”.

 موضوع مؤثر للدكتور منير البصكري خص به موقع اسفي  نيوز جاء فيه :

يغمرني الحزن والأسى وأنا أتلقى خبر وفاة هرم كبير من أهرامات العلم والفكر والأدب في بلادنا .. وبذلك يكون المغرب قد فقد رجلا نذر وقته وجهده لخدمة الفكر في وطنه .. ابن أسفي الدكتور سيدي محمد بنشريفة يودعنا هذا المساء ونحن نعد العدة(جمعية ذاكرة أسفي )  لتنظيم ندوة علمية تكريما لجهوده الكبيرة في مجال الفكر والأدب . أشعر وأنا أكتب عن رجل من رجالات أسفي ، مثل الدكتور محمد بنشريفة ، الأستاذ الكبير  والباحث النحرير، والأديب الأريب ، والإنسان اللبيب ، والشخصية الوجيهة ، والعالم المتفنن الحقيق بالتقدير.. أنني أنهض بعبء كبير، وأنا أعلم ثقل المئونة فيه . فهو رجل من رجال الفكر والأدب والقلم والقرطاس .. رجل هادئ الطبع ، صاحب مبادئ وقيم ، متواضع لدرجة كبيرة ، قوي في نقاشه ، متزن ، متمكن من ثقافة عالية المستوى ، صادق مع الجميع ، ملتزم ، بليغ متمكن من حديثه ، وطني كبير في وطنيته .. يتمتع بنفس أبية ، ندر حياته للعلم والمعرفة والبحث العلمي  المتواصل .. فكانت كتاباته تنم عن وعي رصين  وعقل متفتح ، وعلم غزير .

   ولعل أستاذنا الجليل الدكتور عباس الجراري أصاب في القول حين وصف سيدي محمد بنشريفة بأنه : " لو شئت أن أختصر ما يوصف به الأخ الكريم ، والصديق الحميم ، وأنى لي أن أختزل واسعا ، وأجمع شاسعا ، لقلت إن معشره لطيف وطبعه أليف ، وإن جده طريف وهزله ظريف .. تزينه دماثة سمحة رصينة ، ورجاحة حليمة رزينة ، في هدوء وأناة وسكينة ، مع دؤوب وثبات وغور بعيد ، وحرص وروية ونظر سديد . يطيل الإصغاء حين ينصت ، ولا يحدث إلا بالهمس ويخفت ، وقد يستغني بالتلويح عن التصريح ، وربما استدل بالعبارة الإشارة ، وعمد إلى الرمز والإيماء أو التلميح والإيحاء . "

هذا هو سيدي محمد بنشريفة ، واحد من رجالات أسفي الذين تركوا وما يزالون ، صدى عميقا في تاريخ الثقافة المغربية .

ولد بأسفي سنة 1930 ، التحق بالكتاب كغيره من أبناء جيله . بدت مخايل النجابة عليه مبكرا وهو يجتاز التعلم في بداية مراحله .. فأخذ نفسه بالتلقين والتهذيب ، يحدوه طموح جارف .. فكان دائم الاتصال بشباب النهضة في أسفي ومراكش ، حيث كان له ولوع بالمطالعة وقراءة الصحف والمجلات الشرقية ، لا سيما المصرية منها .

تابع دراسته في كلية ابن يوسف بمراكش ، ثم التحق بعد ذلك بجامعة محمد الخامس في أول نشأتها بالرباط ، ثم بجامعة الجيزة بالقاهرة ، حيث سيحصل على دكتوراه الدولة في الآداب عام 1969 من جامعة القاهرة بمصر .

 وبعد عودته إلى المغرب ، أصبح من أوائل الذين اضطلعوا بالبحث العلمي إلى جانب التدريس الجامعي ، وذلك منذ البوادر الأولى للنهضة التي عرفها المغرب في عهد الاستقلال .. فكان من المؤسسين لشعبة الآداب بالجامعة المغربية ، إلى جانب أستاذنا الجليل الدكتور عباس الجراري حفظه الله .

تنوعت اهتماماته ، فشملت جولات عميقة في تراث وأدب الأندلس ، فكان باحثا دقيقا ومحققا للنصوص الغميسة العريقة ، والمباحث الشائكة الدقيقة ، ينكب عليها ويفك غوامض قضاياها ومشكلاتها ، فحظي عنده تراث الأندلس بفائق العناية وراتق الرعاية ، ملك منه العنان ، ونافس به المعتنين من الأحزان .

وتأسيسا على ما سبق ، نجد سيدي محمد بنشريفة يقتحم مجال البحث العلمي في تميز دقيق بين ما هو أصيل ودخيل .. فتناول الكثير من الموضوعات البكر ، والتي لم يلتفت إليها أحد  فنبش ونقب ودأب على البحث ، فأتقن وأجاد وأفاد .

 عني أستاذنا بما هو مدرسي من تراث الآباء والأجداد ، وما هو صادر عن " العوام " وما تناقلوا من " أمثال " تداولوها على مر الأعوام ، فحقق " الزمان والمكان " لابن الزبير الثقفي وأجزاء من " الذيل والتكملة " لابن عبد الملك المراكشي ، وأخرى من " ترتيب المدارك " للقاضي عياض اليحصبي ، وأخرج " نوازله " و " تعريف " ولده به ، و"روضة الأديب " للشريشي في " التفضيل بين أبي الطيب وحبيب " و" طرافة الظريف"
للملزوزي في " أهل الجزيرة وطريف " . كما عرف بأسرتي " بني عشرة " و " بني زهر".. وترجم لأحمد بابا التمبكتي ، وللإبراهيمي " الكانمي " و " الساحلي " ، و " عبدالله بن قاسم الثغري ، و" أبي زيد عبد الرحمان سقين السفياني القصري "و" أبي عبد الله الغرناطي المنتوري " .. وأفرد بدراسة موسعة ، أبا بكر " ابن مغاور الشاطبي " و"أبا المطرف أحمد بن عميرة المخزومي ، وأظهر" تنبيهاته "، وسجل سيرة " ابن عبد ربه الحفيد " و " البسطي " محللا شعره ومحتوياته ، ونشر " مظهر النور " لابن فركون ، وكذا " ديوانه " و " ملعبة كفيف زرهون " ..إلى غير ذلك من الأبحاث والمؤلفات الرصينة التي تدل على أن الرجل اضطلع ونهض محتفيا بموضوعاته ، ينتقيها ويتخيرها ، ويغنيها بما له من كفاية ونفاذ ومضاء . فإصداراته كثيرة ومتعددة ، تعلقت بها همته ، فغذا أنموذجا للباحث العالم الرصين المنسجم مع فكره ووتيرته .

كل هذا وغيره ، أهله ليحظى بتشريف المغفور له الحسن الثاني بعضوية الأكاديمية الملكية وعضو منتخب في المجامع السورية والمصرية والأردنية .. كما أن أستاذنا قد توج بإحرازه جائزة الملك فيصل السعودية ، وجائزة الاستحقاق المغربية ، دون أن ننسى أنه عين قيدوما بكلية الآداب بوجدة ومحافظا لمكتبة القرويين ، وللخزانة العامة بالرباط .
     لهذا ، ينبغي أن نهنئ أنفسنا نحن ابناء مدينة أسفي بأديب كبير ، وباحث مستنير ، مثل الأستاذ الدكتور سيدي محمد بنشريفة أطال الله في عمره ، وألبسه رداء الصحة والعافية . والمناسبة شرط كما يقال ، وتتمثل في دعوة جامعة القاضي عياض للاحتفاء بهذا الرجل وتكريمه . ففي ذلك تكريم للفكر الإنساني الخلاق في جميع اتجاهاته.. وهو تكريم يعطي الفكر قيمة حضارية ، كما أن تكريم العلماء والأدباء والمبدعين والمخلصين في عملهم ، واجب وطني يدلل على وعي كبير .

إننا بحق أمام عالم كبير ، لا توفيه مثل هذه المقالة حقه في إلقاء الضوء على شخصيته العالمة :

       كرموهم لا للثراء ولا المجد         ولكن للفكر والإحســــــــاس
وإذ ننسى ، لا ننسى يوم تم تكريم أستاذنا من طرف المجلس البلدي بأسفي عام 1988 في الحفل الاختتامي لأشغال الملتقى الفكري الأول بأسفي ، حيث ألقيت عدة كلمات أشاد فيها أصحابها بقيمة الرجل العلمية وأخلاقه الحميدة ونشاطه العلمي المتميز ، والجهود الحثيثة التي يبذلها من أجل خدمة تراثنا العربي في المغرب والأندلس .

 لا أريد أن أختم هذه الإشارات المجملة عن أستاذنا الجليل ، وهي مجرد محطات في حياته الغنية الحافلة ، من غير أن أذكر ما يجمعني بأستاذي .. فقد عرفته منذ أن التحقت بكلية الآداب بالرباط عام 1975 ، حين علمت بأن أحد أبناء أسفي يدرس مادة الأدب الأندلسي ، فلزمت محاضراته بكل شوق وشغف ، فأحببت تلك المحاضرات ، حيث ألفيتها غنية ، فالتأم لدي الأمر واستقام ، واتسق في اكتمال وانتظام . وهكذا ، تاقت نفسي للتعرف إليه تشوفا وتشوقا ، وبدأت أقرأ بعض مؤلفاته ، فزادني إلى استقصائها تعلقا وتعشقا ، إذ وجدت فيها ما كنت به مشغوفا ومنهوما أو ملهوفا ومهموما .. حرصت بعد ذلك على ملازمته .. فكان خير مرشد ومعين لي ، فقد حبب إلي الدرس الأدبي الأندلسي والمغربي ، ولا عيب إن كنت نهلت من معين أدبه وعلمه .. فهو حفظه الله ، من الذين قووا عزيمتي وشحذوا نيتي ، وأعلوا همتي ، فأنا على إثرهم سائر ، وعلى نهجهم سالك . وقديما قيل :
" إن المرء تكرم شمائله وخصاله ، إذا كرم حمله وفصاله . "

رحم الله أستاذنا الجليل وأسكنه فسيح جنانه ، وإنا لله وإنا إليه راجعون ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
   أسفي / الدكتور منير البصكري الفيلالي



لم يتم بعد إضافة أي تعليق !


إضافة تعليق :
الإسم الكامل

صور من أسفي

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
.

اذاعة محمد السادس