» الموقع ملك للجميع ونافذة لكل مناحي الحياة اليومية، راسلوا جريدتكم اسفي نيوز safinews ذات البعد الجهوي باقتراحاتكم على البريد الالكتروني nabaoui_2005@yahoo.fr -----nabaoui_2005@hotmail.com ----safinews1@gmail.com-مدير الموقع ورئيس التحرير عبد الرحيم النبوي ----الهاتف - 43 - 81 - 12 - 74-06- ,             


حديث الجمعة،  سلسة أسبوعية يكتبها لموقع اسفي نيوز ،  الأستاذ الدكتور منير البصكري الفيلالي ، خريج دار الحديث الحسنية بالرباط  ونائب عميد الكلية متعددة التخصصات بآسفي : الحلقة الثالثة تحت عنوان :

عرفنا في الحلقة الماضية لماذا اختار المغاربة المذهب المالكي ، حيث أشرنا إلى أن هناك اعتبارات كثيرة جعلت المغاربة يختارون هذا المذهب رسميا منذ أربعة عشر قرنا ، منها شخصية الإمام مالك نفسه وصفاته الأخلاقية وسعة علمه وفقهه الغزير إضافة إلى اعتبارات عقدية ومصلحية ،ومن ثمة ، فهو مذهب يعبر عن الوحدة المذهبية الدينية والأصالة الحضارية ، وهو في الآن ذاته مدرسة تربوية إصلاحية ساهمت في بناء الشخصية المغربية بكل ما لها من مميزات وخصائص ، جعلته منه مذهبا للدولة ولعموم المجتمع . فهل لأجل هذا كله ، استمر المذهب المالكي في المغرب ؟ أم أن هناك أسبابا أخرى عملت على استمراره وتمسك المغاربة به ؟ .

 لا بد أولا أن نذكر أن الدولة في المغرب ساندت إلى حد كبير المذهب المالكي ، وكان ذلك في طليعة أسباب الاستمرار، حيث كانت تعززه وتتقوى به في محاربتها المستمرة للاتجاهاتالمنحرفة التي من شأنها أن تشوش عليه وعلى عقيدة المغاربة ، وذلك على حد ما فعل يوسف بن تاشفين حين قضى على البورغواطيين والمولى إسماعيل حين حارب طائفة العكاكزة المنحرفة ، وجلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله وطيب ثراه ، حين وضع حدا للبهائيين ، وهم زائغون بإجماع أهل السنة والشيعة .

ومثل ذلك لاحظناه منذ الأدارسة فالمرابطين ، خاصة أيام يوسف بن تاشفين الذي شهد له حتى خصومه بالورع والتقوى والعدل والاستقامة .. وباستثناء الموحدين الذين توسلوا بالمذهبية الدينية ، فالمغاربة كانوا دائما متشبثين بالمذهب المالكي ، إذ بانتهاء الدولة الموحدية ، سيعود المذهب إلى سالف عهده ليظهر من جديد أكثر تألقا وبروزا في تكوين الشخصية المغربية .. بل سيعود أقوى مما كان ، بما اكتسب من خبرة ومرونة أتاحا له أن يطرح نفسه وقضاياه في خط اجتهادي ومن خلال مقاييس جديدة ، في محاولة للتوفيق بين الحكم الشرعي وواقع الحياة المتحرك . وهي القوة نفسها التي عرفها المذهب في ظل الدولة العلوية التي كانت تروم إنقاذ الفكر المغربي من الجمود الذي وقع فيه أيام السعديين بسبب كثرة الملخصات التي وضعت إجمال المسائل الفقهية وتقريبها .وهكذا ، دعا السلطان سيدي محمد بن عبد الله إلى نبذ المختصرات الفقهية ، والعودة إلى الكتاب والسنة وآراء السلف الصالح ، كذلك دعا السلطان المولى سليمان إلى الإصلاح والتوجه إلى الانتصار للسنة ومحاربة البدع الضالة ..كذلك ، لا بد أن نذكر نضالية المذهب والتحام فقهائه بالقضايا الوطنية والتقدم في مجال الاجتهاد . ومعلوم أن المغرب لعب دورا مهما في إفريقيا ، كان قائما على نشر الإسلام من خلال المذهب المالكي وما يواكبه من تصوف يستند إلى كتاب الله وسنة رسوله الكريم .

والحقيقة أنه ما كان لهذا المذهب أن يستمر لو لم يكن يحمل في طبيعته خصائص ومقومات ساعدته على الدوام والاستمرار . ومن ذلك يمكن أن نذكر طبيعة المذهب في حد ذاته الذي يقوم في مبادئه على النص والنقل وعلى الأثر والرواية ، فضلا عن واقعيته القائمة على اعتماد عمل أهل المدينة كما تمت الإشارة إلى ذلك في الحلقات السابقة .

وعمل أهل المدينة ـ كما أشرنا سابقا ـ هو الصورة العملية التطبيقية للشريعة الإسلامية ، وهو منهج في التفقه والاجتهاد يدل على حصافة فكره وبعد نظره ، وفيه مع ذلك المخرج من الضيق والحل للمشكل بحكم ما يفرضه التطور من أقضية وأوضاع ، فارتبط بذلك كل الارتباط بالحياة العملية ، فكان أقرب إلى واقع الناس وأدخل في حياتهم وتصرفاتهم ، فأمدهم بكثير من الأحكام العملية التي كانت قائمة .   إضافة إلى ما سبق ، نلاحظ تجدد المذهب باستمرار ، باعتماده على مبدأي المصالح المرسلة وسد الذرائع وما ينبثق عنهما من مرونة وقابلية للتكيف مع أية بيئة وفي أي عصر ، مع إيجاد الحلول لكل القضايا والنوازل الطارئة .

 وهكذا مثل المذهب المالكي في المغرب منهجا سليما لفهم الإسلام وتطبيقه ، مما كان له أكبر الأثر على سلوك المغاربة . فهو مرجعيتهم في أغلب مناحي الحياة المجتمعية لعدة قرون .. تجلى ذلك في مجال القضاء والتشريع وإدارة الدولة ، طبعا مع مراعاة أعراف المجتمع المغربي وتقاليده وتنوعه . وفضلا عن ذلك كله ، ساهم فقهاء المالكية بقسط كبير في سد أبواب الفتن ، كما ساهموا في الحفاظ على الوحدة الوطنية ومعالجة غير قليل من القضايا كمواجهة الغزو الأجنبي ، سالكين في ذلك الوسطية والاعتدال والمحافظة على المصالح العامة .

ومن هذا المنطلق ، ترسخ المذهب المالكي في بلادنا وأصبح دعامة مهمة في تكوين شخصيتنا المغربية ،  واليوم ـ ولله الحمد ـ ما يزال هذا المذهب بحكم وسطيته واعتداله وبساطته ، مستقرا في نفوس المغاربة ، ممتزجا بطبيعتهم وسلوكهم ، مستثمرين منهجه لاستيعاب مختلف المستجدات .. فكان المذهب المالكي بالنسبة لهم أحد مكونات الهوية الحضارية للمغرب .
فهل نحن اليوم بحاجة أكثر مما سبق إلى المذهب المالكي بغية الاستفادة منه ، في ظل مجموعة من الانحرافات التي باتت تهدد كياننا وهويتنا وشخصيتنا المغربية ؟

سؤال نتمنى أن نتوفق في الإحاطة بمختلف جوانبه في حديث الجمعة القادم بحول الله وقوته .

 



لم يتم بعد إضافة أي تعليق !


إضافة تعليق :
الإسم الكامل

صور من أسفي

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
.

اذاعة محمد السادس