» الموقع ملك للجميع ونافذة لكل مناحي الحياة اليومية، راسلوا جريدتكم اسفي نيوز safinews ذات البعد الجهوي باقتراحاتكم على البريد الالكتروني [email protected] [email protected] [email protected]مدير الموقع ورئيس التحرير عبد الرحيم النبوي ----الهاتف - 43 - 81 - 12 - 74-06- ,             





ليس في وسعاي إنسان مهما طال باعه ، وأيا كانت مقدرته ، أن يبرز الجوانب الحية للرسول صلى الله عليه وسلم ، كما يليق بشأنها .
لقد كان مولده صلى الله عليه وسلم حضارة ومولد رسالة سماوية ، وتشريع إلهي يصلح به الكون ، وتستقيم به حياة الناس. وبالتالي ن فإن رسالته ثمرة الرسالات كلها ، وميثاق للحرية والإخاء ، ودستورا للحضارة التقدمية الراقية ، ونظام قويم لتركيز دعائم العدالة الاجتماعية ، وإعلان سماوي خالد لحقوق الإنسان وتحريره من العبودية والذل والهوان . وقد أدرك شاعر الملحون كل هذه الخصائص النبيلة للرسول الكريم ، فانعكس ذلك على نفسيته ، فترجم إحساسه إلى حب صادق كشف من خلاله ما يملأ قلبه وعقله ، مادحا تارة ، ومصليا ومتوسلا تارة أخرى .
وهكذا ، فإن من أكثر الأنماط الإبداعية في المدحة النبوية ، المولديات ، وهي قصائد ـ على حد ما أشرنا إليه في الحلقات السابقة ، ذات طابع ديني ، تختص بمناسبة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف . وقد صار هذا الأمر موسما دينيا كبيرا ، ومناسبة عظيمة ينبغي أن نحتفل بها  تقديرا وتعظيما لأشرف وأسمى خلق الله ، رسولنا المصطفى المختار عليه افضل الصلاة والسلام . ولعل إحصاء ما قيل في المديح النبوي سواء من الشعر الفصيح أو الملحون ، وتداول العديد من المصنفات التي أرخت لهذه الظاهرة الدينية ، يتطلب إنشاء مركز للتوثيق يختص بالمديح النبوي والسماع تتكاثف فيه جهود الباحثين قصد جمع النصوص وتكشيف المصادر ونشر المخطوطات .. وذلك في سبيل إشعاع تراثنا المغربي والمحافظة على هويتنا الحضارية وخدمة عقيدتنا الإسلامية .





دائما وفي نطاق قصائد التصليات التي خص بها شاعر الملحون في أسفي الرسول الكريم ، نجد الشاعر الحاج عبد الله بنحيدة يصلي على الرسول الكريم عدد ضياء الشمس والقمر ، ولمعان النجوم ببهائها وجمالها ، وعدد ما فاحت الأزهار بطيبها ونسيمها في كل صباح ومساء ، وعدد البرق وما هبت الرياح  وقصفت الرعود ، وعدد ما حملت به السحب من أمطار ، وعدد هيجان البحر والأدوية ، ودواب البر والبحر ، وعدد كل من رفرف بجناحيه ، وعدد الأشجار وأغصانها ، وعدد السر المكتوم في الأحشاء . يقول : ّ
           صلى الله أعليه ما ضاء الشمس وما شعشع لقمر في ليلة واح
      وما لمعت النجوم وضحـــا             ببهــــــا اجمالها فالجو الســــــأح
           صلى اعليه وعلى آل الطيبين وعلى اصحابو قمهر لكفــــــاح
      ما عبقت لزهار فايحــــــــا             بنسام طيبهـــا افكل امسا واصباح
           صلى الله أعليه ما اسطع لبرق بنوار اللامع وما هبت لرياح
      واتزكليم أرعود صايحـــا               وما هلت لمزان بالمطر الكفاح





ولم يقتصر شاعر الملحون الأسفي على التعبير عن حبه وعواطفه تجاه نبي الهدى صلى الله عليه وسلم وعميق تفانيه في تعلقه به ، وذكر صفاته الحميدة ، بل خصه عليه الصلاة والسلام بقصائد أطلق عليها " التصليات " يصلي فيها عليه ، محاولا أن يبلغ بصلواته أكبر عدد يمكن تصوره ، مستعرضا أنواع الكائنات والمخلوقات المختلفة ، عساه يبلغ أعلى درجات للعد والحساب .
   وهكذا ، يصلي الشاعر لمشيكر على النبي صلى الله عليه وسلم عدد ما أغرم به ، وعدد الكتب ، وعدد من ركب إليه يقصد زيارته ، وعدد المشوقين إليع والولوعين به ، والتابعين لملته . يقول :
          صلى الله أعليــــــــه              قد الغرام فيــه
          قد اكتب التنبيــــــــه              تبغيــــه أمـــت
          واعداد الركب إجيه               قد من شاق به
          قد اللــــولع بـــــــه                أمن اتبع ـملت
          الماجد صليوا أعليه              رت نبغ أنجيــه  

وعدد النجوم والجراد والأسماك ، ونبات الأرض والحصى والرمل والنمل والأشجار وأوراقها ، وما فاح منها من نسيم ، وعدد الطيور والوحوش وأنفاس الخلق ، وعدد الضياء والظلام والأعشاب ، وعدد ما في علم الله ،





 في سياق هذا الحب النبوي ، لم ينس شاعر الملحون الأسفي ذكر أوصاف وشمائل الرسول صلى الله عليه وسلم ، فهو عند لمشيكر ، الرسول الممجد وسيد الأنام وتاج الأنبياء ، وشفيع الأمة وقطب الفلاح وسيد الملاح والبدر الوضاح ، والنور الوهاج .. يقول شاعرنا :
       سبحـــان الحـي الدايــم                  من خلق الممجد سيد جمع الأــــــنام
       ود ربـــي بالكرايــــــــم                 من معجزات الهاشمي اتفجي اظلام
      صليوا أعلى أبو القاســم                 محمد تاج الانبيا اشفيــــع الأنـــــــام
      صليوا على قطب الفلاح                سيد المـــــــــلاح
      طـــه بدر الوضــــــــاح                 سيد ما ايجيـــــح
ويرى الشاعر الطالب بنسعيد أنه ليس للرسول مثيل ، وأن الشمس والقمر يستمدان منه الجمال ، كيف لا وقد فضله الله تعالى على كل البشر .. يقول بنسعيد :
      من اشعاع انوارك ينور كل ــــــنور          يلــي فــلانبيا ما يليك امثيــــــــل
      الشمس ولقمر خدوا من زينك العشور        فضلك رب العرش المالك الجليل
       يا الزاهد حقا فدنيت لغــــــــــــــرور        يا الشافع في يوم الموقف الطويل
       لك قدمت الحــي المـــــالك الوجيب         ادخيل من يقرا فالايات ظهــــــرى
       الهاجرين الدنيا والبحث فــي الغيب         الصابرين اعليها فالبيع والشـــرى
       طالت الغيبا يا محمـــــــــد الحبيب          فيك راني نرجا يا خير الــــــورى





كان النبي صلى الله عليه وسلم سيدا بإمامته وبنسبه وبسلطانه ، وسيدا بالتفاف القلوب حوله ، كما كان سيدا بسيادته على سره وعلانيته ، على رأيه وهواه . فليس في سجل المودة الإنسانية أجمل ولا أكرم من حبه وحنانه وعطفه وبروره . كل هذه الصفات الفاضلة ، كانت نبعا فياضا لشاعر الملحون في أسفي . ومن ثمة ، كان حبه للرسول صلى الله عليه وسلم مناجاة ومطاوعة لميل الضمير والوجدان على السواء  للفناء في الحب الصادق للرسول الكريم . فحبه عند الشاعر صالح بن محمد قد هز أشجانه وحرك عقله ، فأصبح ولوعا به .. يقول :   حب الحبيب في ذاتي            خلخل أصيار عقلي متولع به
وعند الشاعر ابن دحمان ، فإن حب الرسول قد استقر في أكنانه ، وأشعل نيران غرامه .. يبيت طول الليل يذكر هواه ، ويتملى رسمه . فقد حيره حب الرسول الحبيب ، فبكى وشكا جراح ذلك الحب ، وتمنى رؤية عين الوجود ، صاحب الطلعة البهية ، أبي فاطمة الزهراء ، المصطفى العدنان ، من لم يحبه ، ما ذاق طعم الهوى ولا غنم ، ولا انتشى بنشوة الحب





كيف لا ، وهو أعظم خلق الله كلهم ، أنقذ البشرية من عقال الجهل والظلم والفرقة والتباين والعبودية ، وهداها إلى نور المعرفة والمحبة والتآخي وغيرها من الصفات والمبادئ والقيم ، مما لا يدخل تحت حصر . وصدق الله العظيم إذ يقول : " هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين .." وقوله تعالى في موضع آخر في حق نبيه الكريم : " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين " .. فكيف لا يحق لهؤلاء الشعراء أن يعبروا عن حبهم الصادق للرسول صلى الله عليه وسلم ، وهو على هذه المكانة المرموقة السامية من المجد والعظمة والمكارم الأخلاقية والكمال الإنساني ؟ إنها محبة تتعدى التعلق به لغاية أو هدف ما ، إلى حبه لذاته محبة روحية وخالصة ، تكسر الحدود وتصل إلى القلوب ، فتجذبها إلى عالم الصفاء والكمال .






وعن رضاعه ومرضعته السيدة السعدية ، يضيف شاعرنا :
السعدية يا سعدها نعم الغفــــــار            حازت طه ونالت الحظ الموفور
غنمت دنيا ودين خير ألا يحسـار           رضوان الله عنها دايم مأتــــــور
       
ناقتها العاجفة عليها كثــــر الخير          حين اركبها الهاشمي سيد الورى
   وهكذا ، ساهم شعراء الملحون بأسفي في التأريخ لمولد خير البشرية في قصائد طويلة حفلت بذكر أوصافه وشمائله وذلك من منطلق ما امتاز به الرسول صلى الله عليه وسلم من الصفات والأخلاق الفاضلة منذ صباه وقبل أن يبعث نبيا إلى هذه الأمة . فكان عليه الصلاة والسلام أحسن قومه خلقا ومروءة وأصدقهم وأكثرهم أمانة حتى إن قومه كانوا ينعتوه الصادق الأمين ، لما عرفوا عنه من حسن الجوار والمعاشرة ، فكرمه الله عز وجل بأن جعله خير البشرية وخاتم الأنبياء والمرسلين ، وبقي على هذه المكارم من الأخلاق بعد بعثته عليه الصلاة والسلام .





وفي يوم مولده صلى الله عليه وسلم عام الفيل فجر يوم الإثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول عام 51 قبل الهجرة ، لم تجد والدته آمنة حين حملت به ما تجده الحوامل من ثقل ولا وحم ولا غير ذلك . ولما ولدته صلى الله عليه وسلم ، أرسلت إلى جده وكان يطوف بالبيت تلك الليلة ، فجاء إليها فقالت له : يا أبا الحارث ، ولد لك مولود عجيب ، فذعر عبد المطلب وقال : أليس بشرا سويا ؟ فقالت : نعم ، فسقط ساجدا ثم رفع رأسه وأصبعيه إلى السماء ، وأخذه ودخل به الكعبة وعوذه ودعا له ، ثم خرج ودفعه إليها .. وهو الذي سماه محمدا ، فقيل : كيف سميت بهذا الاسم وليس لأحد من آبائك ؟ فقال : إني لأرجو أن يحمده الله في السماء وأن يحمده الخلق في الأرض . وروي أنه صلى الله عليه وسلم ولد معذورا مسرورا أي مختونا مقطوع السرة .. وعند ولادته صلى الله عليه وسلم ، أضاء الكون نور ما بين المشرق والمغرب . ولما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ارتج إيوان كسرى ، وتهاوت الأصنام المنصوبة في الكعبة وحولها ، وانكبت على وجوهها ..
يقول الحاج محمد بن علي المسفيوي في هذا الصدد :





لقد كان مولد خير البرية الأكرم وما يتصل به من أخبار تحكيها السيرة النبوية العطرة ، مادة خصبة لشحد قريحة شعراء الملحون سواء في حاضرة المحيط أسفي ، أو في غيرها من الحواضر المغربية . وتعتبر قصائد المولديات من أروع ما جادت به سجية هؤلاء الشعراء ، فتحدثوا عن نشأة النور المحمدي على حد قول شاعر الملحون الأسفي الحاج محمد بن علي المسفيوي :


         رايد ندكر خلوق مروي على الاسياد    اخلوق الهاشمي المبرور الهــــادي
         لما راد الجليل الوحيد الجــــــــــــواد    يخلق نور الرسول نعم المهتــــادي
        من نوره خاد نور شعاعــه وقــــــاد     نور الماحي القوت مصباح اتمادي
           نور الماحي الماجد أحمد                 المكي شـافــع العبـــــاد
          تم اخضع للجليل وسجــد                   خمسين ألف اسنا اعداد
          وخلق من الحي الاوحـــد                   العرش وساير الافــراد
          نور أحمد كان ساجــــــد                    لمــا بلــغ السعـــــــادة
          كالنجم اسطيع واقـــــــــد                   نال اكمال السيـــــــادة
          وخلق من الواحـــــــــــــد                  الاكوان بخرق عـــادة





 ومن ثمة ، كان للسيرة النبوية العطرة فوائد جليلة ، ومنافع عظيمة . فهي السجل الأمين لحياة النبي صلى الله عليه وسلم ، والمرآة الصافية لأخلاقه وأحواله وشمائله ، والسراج المنير الذي أقامه الله على الأرض ليضيء للبشرية طريقها القويم ، على صفحاتها  يطالع المسلم والناس أجمعين ، المثل الأعلى للكمال البشري ، مشخصا في حياة رجل يمشي على الأرض ويعيش حياته الواقعية بين الناس صلى الله عليه وسلم .
فالإنسان ـ على حد ما ذهب إليه علماء التربية والأخلاق ـ لا يتأثر ولا يسمو في سلوكه وأخلاقه ، إذا قدمت إليه الفضائل الخلقية والمثل العليا في صورة مثالية أو نظريات مجردة ، وإنما يتأثر بها عندما يشاهدها مجسمة في صور واقعية ومواقف إنسانية . من هذا المنطلق ، كانت السيرة النبوية القدوة الحسنة ، والأنموذج الأسنى للكمال البشري الذي يدعو الناس كافة إلى الارتقاء في مدارجه .
  لهذا ، عني بهذه السيرة النبوية العطرة العديد من العلماء والمؤلفين والباحثين من المسلمين وغيرهم ، ونهض بها رجال عدول من الصحابة والتابعين ، فنقلوا للناس بصدق وأمانة الصورة الحقيقية لحياته صلى الله عليه وسلم وشمائله الطيبة وأخلاقه الفاضلة وأوصافه السنية .





وهكذا ، أخذ العزفي يطوف على الكتاتيب القرآنية بسبتة ويشرح لصغارها مغزى هذا الاحتفال حتى يسري ذلك في آبائهم وأمهاتهم بواسطتهم . كما دعا إلى تعطيل تعليم الصبيان في هذا اليوم . ويؤكد ذلك العزفي بقوله : " ومما فتن الناس فيه ، السؤال عن مولد عيسى عليه السلام .ز فكثيرا ما يتساءلون عنه أو ليس كانوا بميلاد نبينا محمد عليه السلام أولى ، والتهمم به ومعرفته ؟ فكثير منهم لا يعلمون ذلك . ومولده صلى الله عليه وسلم عام الفيل يوم الإثنين لاثنتين عشرة ليلة خلت من ربيع الأول ، وتوفي صلى الله عليه وسلم ضحى يوم الإثنين لاثنتين عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وشرف وكرم ، هذا اولى أن يسال عنه ويتهمم بمعرفته وحفظه لفضله وبركته . "
   لهذا كان المغرب أكثر اهتماما بهذه الظاهرة ، بل سباق لها تقديرا لمكانة الرسول صلى الله عليه وسلم في النفوس وتفانيا للقلوب في محبته ، وتغنيا بشمائله ، وتسليا عن بعد المزار وحنينا لأرض طيبة ، وشوقا إلى الصفاء والنقاء .




 

صور من أسفي

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
.

اذاعة محمد السادس